الشيخ الطبرسي

439

تفسير مجمع البيان

من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد ( 33 ) ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب ( 34 ) الذين يجدلون فئ آيات الله بغير سلطن أتهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار ( 35 ) ) . القراءة : قرأ أبو عمرو وابن ذكوان وقتيبة : ( على كل قلب ) بالتنوين . والباقون : ( على كل قلب متكبر ) على الإضافة . وفي الشواذ قراءة ابن عباس والضحاك وأبي صالح والكلبي : ( يوم التناد ) بتشديد الدال . الحجة : قال أبو علي : من نون فإنه جعل المتكبر صفة لقلب ، فإذا وصف القلب بالتكبر ، كان صاحبه في المعنى متكبرا ، فكأنه أضاف التكبر إلى القلب ، كما أضيف الصعر إلى الخد في قوله تعالى : ( ولا تصعر خدك للناس ) . فكما يكون بتصعير الخد متكبرا ، كذلك يكون بالتكبر في القلب متكبرا بجملة . وأما من أضافه ، فقال ( على كل قلب متكبر ) ، فلا يخلو من أن يقدر الكلام على ظاهره ، أو يقدر فيه حذفا ، فإن تركه على ظاهره ، كان المعنى : يطبع الله على كل قلب متكبر أي : يطبع على جملة القلب من المتكبر ، وليس المراد أن يطبع على كل قلبه ، فيعم الجميع بالطبع . إنما المعنى : إنه يطبع على القلوب إذا كانت قلبا قلبا . والطبع علامة في جملة القلب كالختم عليه ، فإذا كان الحمل على الظاهر غير مستقيم ، علمت أن الكلام ليس على ظاهره ، وأنه حذف منه شئ ، وذلك المحذوف إذا أظهرته ، كذلك يطبع الله على كل قلب كل متكبر ، فيكون المعنى يطبع على القلوب إذا كانت قلبا قلبا من كل متكبر ، ويختم عليه . ويؤكد ذلك أن في حرف ابن مسعود فيما زعموا على قلب كل متكبر ، وإظهار كل في حرفه ، يدل على أنه في حرف العامة أيضا مراد . وحسن حذف كل ، لتقدم ذكره كما جاز ذلك في قوله : أكل امرئ تحسبين امرءا ونار توقد بالليل نارا ( 1 )

--> ( 1 ) هذا البيت لأبي داود الأيادي الذي ضرب بجاره كعب بن يمامة المثل في حسن الجوار . قال قيس بن زهيرة : ( سأفعل ما بدا لي ثم آوي إلى جار كجار أبي داود ) وقال طرفة : ( إني كفاني من أمر هممت به جار كجار الحذاقى الذي اتصفا ) والحذاقي : هو أبو داود . يخاطب في هذا البيت امرأته ويقول : ما ينبني لك أن تظني أن كل من له صورة المرء مرءا ، وإنما الخليق باسم الرجل هو المتصف بالصفات النفيسة ، والخصال الحميدة ، ولا كل نار اشتعل في الليل نارا ، بل الخليق باسم النار التي تشتعل للإكرام ، والضيافة ، وهداية طريق الضالة .